ابن المقفع

149

الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )

وإنّ أمر هذه الصحابة قد كان فيه أعاجيب دخلت فيها مظالم . أما العجب فقد سمعنا من النّاس من يقول ما رأينا أعجوبة قطّ وأعجب من هذه الصحابة ممّن لا ينتهي إلى أدب ذي نباهة ، ولا حسب معروف . . . ثم هو مسخوط « 1 » الرأي مشهور بالفجور في أهل مصره ، قد غبر عامة دهره صانعا يعمل بيده ولا يعتدّ « 2 » مع ذلك ببلاء ولا غناء . . إلا أنه مكّنه من الأمر صاغ ، فانتهى إلى حيث أحبّ فصار يؤذن له على الخليفة قبل كثير من أبناء المهاجرين والأنصار . . . وقبل قرابة أمير المؤمنين وأهل بيوتات « 3 » العرب . . . ويجري عليه من الرزق الضعف مما يجري على كثير من بني هاشم وغيرهم من سروات قريش . . . ويخرج له من المعونة على نحو ذلك ، لم يضعه بهذا الموضع رعاية رحم ولا فقه في دين ، ولا بلاء في مجاهدة عدوّ معروفة ماضية شائعة قديمة ، ولا غناء حديث ولا حاجة إليه في شيء من الأشياء ولا عدة يستعدّ بها وليس بفارس ولا خطيب ولا علّامة . . . إلا أنه خدم كاتبا أو حاجبا فأخبره أنّ الدين لا يقوم إلا به حتّى كتب كيف شاء ودخل حيث شاء . وأما المظلمة « 4 » التي دخلت في ذلك فعظيمة قد خصت قريشا وعمّت كثيرا من النّاس وأدخلت على الأحساب والمروات محنة شديدة وضياعا كثيرا . . فإن في إذن الخليفة في المدخل عليه والمجلس عنده وما يجري على صحابته من الرزق والمعونة . . . وتفضيل بعضهم على بعض في ذلك حكما عظيما على النّاس في أنسابهم وأخطارهم وبلاء أهل البلاء منهم . . . وليس ذلك كخواص المعروف ولطيف المنازل أو الأعمال التي يختصّ بها المولى من أحبّ ، ولكنّه باب من القضاء جسيم عام يقضي فيه للماضين من أهل

--> ( 1 ) مسخوط الرأي : مكروهه . ( 2 ) شيء لا يعتدّ به : أي لا يلتفت إليه ، واعتدّ بنفسه اعتمد عليها . ( 3 ) البيوتات : البيوت الشريفة . ( 4 ) المظلمة : ما احتملته من الظّلم .